الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

245

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

بذاته لا بالعناوين العارضية كما توهّمه بعض أهل التحقيق . فقال : « مجرّد شوب اللبن بالماء مثلا ليس حراما ، وكذا عرضه للبيع وكذا الإنشاء فالحرام أخذ الثمن في مقابله » « 1 » . وفيه : إنّ ظاهر الأدلّة حرمة الغشّ تكليفا الحاصل من هذه المقدّمات ، وعدم حرمة كلّ واحد لا ينافي حرمة المجموع من حيث المجموع ، وهذا نظير الحكاية المعروفة فيمن كان بصدد تحديد اللعب بالآلات من طريق التفرقة بين مقدّماته ! ثمّ إنّ ما هو المتعارف من تزيين الأمتعة بجعلها في غلاف ، أو زجاجة ، أو محلّ خاص ، وغير ذلك من وسائل التزيين ، لا يعدّ غشّا ما لم يكن سببا لإظهار الخلاف ، ومصداقا للخدعة والخيانة وإن أوجب توفّر الدواعي إليها ، فانّه لا شكّ في أنّ الماء الذي هو أبسط الأشياء إذا كان في آنية البلّور وفي صحائف جيّدة مع تشريفات أخرى ، تطلّعت النفوس إليه ، مع أنّه ليس غشّا وكذلك غيره من أشباهه . بقي هنا أمور : الأوّل : هل يعتبر قصد التلبيس في مفهومه ؟ فلو لم يكن الغشّ بسبب فعله ، كما إذا سقط إناء الماء في اللبن من دون اختياره ، ولم يكن من قصده التلبيس فباعه من دون إعلامه ، فهل هو غشّ ؟ الذي يظهر من شيخنا العلّامة الأنصاري قدّس سرّه جواز بيعه ، بل حكى عن العلّامة رحمه اللّه في التذكرة إنّه منع كون البيع مطلقا مع عدم الإعلام بالعيب غشّا بل استظهر ذلك من رواية الحلبي « 2 » و « 3 » . ولكنّه عجيب ، ولازمه جواز بيع المغشوش الذي اشترى من غيره بعد علمه بذلك ، لأنّ الغشّ كان من غيره لا منه ، ويبعد الالتزام به ، وما ذكره من عدم القصد قد عرفت جوابه مرارا

--> ( 1 ) . وهو المحقّق الإيرواني قدّس سرّه حكاه في مصباح الفقاهة ( ج 1 ، ص 299 ) عنه . ( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 421 ، الباب 9 ، من أبواب أحكام العيوب ، ح 3 . ( 3 ) . المكاسب المحرّمة ، ص 35 .